ابن الأثير
83
الكامل في التاريخ
ذكر إسلام حمزة بن عبد المطّلب ثمّ إنّ أبا جهل مرّ برسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وهو جالس عند الصّفا ، فآذاه وشتمه ونال منه وعاب دينه ، ومولاة لعبد اللَّه بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك . ثمّ انصرف عنه فجلس في نادي قريش عند الكعبة ، فلم يلبث حمزة بن عبد المطّلب أن أقبل من قنصه متوشّحا قوسه ، وكان إذا رجع لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة ، وكان يقف على أندية قريش ويسلّم عليهم ويتحدّث معهم ، وكان أعزّ قريش وأشدّهم شكيمة . فلمّا مرّ بالمولاة ، وقد قام رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، ورجع إلى بيته ، قالت له : يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّد من أبي الحكم بن هشام فإنّه سبّه وآذاه ثمّ انصرف عنه ولم يكلّمه محمّد . قال : فاحتمل حمزة الغضب لما أراد اللَّه به من كرامته ، فخرج سريعا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالكعبة معدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به ، حتى دخل المسجد ، فرآه جالسا في القوم ، فأقبل نحوه وضرب رأسه بالقوس فشجّه شجّة منكرة ، وقال : أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ؟ فاردد عليّ إن استطعت . وقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة فإنّي سببت ابن أخيه سبّا قبيحا . وتمّ حمزة على إسلامه . فلمّا أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، قد عزّ ، وأنّ حمزة سيمنعه ، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه . واجتمع يوما أصحابه فقالوا : ما سمعت قريش القرآن يجهر لها به ، فمن رجل يسمعهموه ؟ فقال ابن مسعود : أنا . فقالوا : نخشى عليك إنّما نريد من له عشيرة يمنعونه . قال : إنّ اللَّه سيمنعني . فغدا عليهم في الضحى حتى أتى المقام وقريش في أنديتها ثمّ رفع صوته وقرأ سورة الرحمن ، فلمّا علمت